الشيخ محمد هادي معرفة
352
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
قيل : كان النبيّ صلى الله عليه وآله يملي بالقرآن على أصحابه فور نزوله قبل الانتهاء منه ، حرصا على التبليغ وخوفا من النسيان . فجاءت الآية تؤنّبه على ذلك ، وهكذا قوله : « لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ » . « 1 » قالوا : غير أنّ هذه الآيات لم تؤمّن عليه الحفظ ، فلم يزل صلى الله عليه وآله يخشى النسيان ، فكان يتعب نفسه الشريفة في حفظ ما ينزل عليه من القرآن . خوف أن يصعد جبرائيل وقد نسي شيئا ممّا نزل به . كذا روي عن السدّي « 2 » حتى نزلت : « سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى » « 3 » فَزال قلقه صلى الله عليه وآله . قال ابن حزم : فكانت هذه الأخيرة ناسخة للأوّلتين ، لكن نسخا معنويّا ، أي أزالت سبب خوفه صلى الله عليه وآله ممّا لم تزله الآيتان بصراحة . « 4 » قلت : سورة الأعلى من أوّليات ما نزل بمكة ، ولعلّها السورة الثامنة في ترتيب نزولها . وأمّا سورة طه فنزلت بعد الأربعين . « 5 » وهكذا سورة القيامة كانت الواحدة والثلاثين . فكيف تكون المتقدّمة ناسخة للمتأخّرة ؟ ! ثمّ في تعقيب آية طه جاء قوله : « وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً » « 6 » ممّا تؤمّن عليه الحفظ يقينا . وهكذا جاء التأمين في سورة القيامة . والظاهر : أنّ الآيات الثلاث تعني شيئا واحدا . وجاءت كلّ واحدة مؤكّدة للأُخرى مؤمّنة على النبيّ صلى الله عليه وآله ما كان يخشاه الأمر الذي يشي بمبلغ اهتمام النبيّ صلى الله عليه وآله بهذا القرآن وحرصه على هذا الدين . وأخيرا فقد ارتاح صلى الله عليه وآله عندما نزل « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » . « 7 » 126 ( 2 ) - « فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ » . « 8 »
--> ( 1 ) - القيامة 16 : 75 - 19 . ( 2 ) - الدرّ المنثور ، ج 4 ، ص 309 . ( 3 ) - الأعلى 6 : 87 . ( 4 ) - رسالة الناسخ والمنسوخ لابن حزم ، ج 2 ، ص 184 . ( 5 ) - وهي الخامسة والأربعون حسب ترتيب نزولها . راجع : الجزء الأوّل ، قائمة « ترتيب النزول » . ( 6 ) - طه 114 : 20 . ( 7 ) - الحجر 9 : 15 . ( 8 ) - طه 130 : 20 .